محمد عزة دروزة

523

التفسير الحديث

الذي عبر عنه بتعبير * ( أَتْقاكُمْ ) * والذي يدخل في نطاقه مراقبة اللَّه في السرّ والعلن وابتغاء رضائه في الائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه . وقد أمر بكل ما فيه الحقّ والعدل والبرّ والتقوى وأداء الواجبات نحو اللَّه والناس . ونهي عن كلّ ما فيه إثم وبغي ومنكر وتقصير نحو اللَّه والناس . وهي من أجل ذلك يصح أن تعتبر من روائع جوامع الكلم القرآنية وأقواها وأبعدها مدى وأثرا في الحياة الاجتماعية والسياسية والشخصية والإسلامية . ويلفت النظر بخاصة إلى المخاطب في الآية . فبينما خاطبت الآيات السابقة لها المسلمين جاءت هذه الآية لتخاطب الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأنسابهم وأحسابهم وأديانهم ونحلهم خطابا مطلقا يمتد ما دامت الحياة الدنيا ، لأن الموضوع الخطير الذي تقرره هو الذي يتناسب مع هذا الخطاب أكثر . وفيها شيء من معنى التنديد اللاذع بما اعتاده الناس من التفاخر بالأحساب والأنساب والثروات وما يماثلها من الأعراض . وهذه الدلالات قوية البروز في الخطبة الرائعة التي ألقاها السيد الرسول صلوات اللَّه عليه بعد فتح مكة وتلا فيها الآية والتي أوردنا خبرها قبل . ولقد روى المفسرون في سياق هذه الآية وفي صددها أحاديث نبوية قوية التلقين والعظة منها حديث رواه ابن ماجة عن أبي هريرة جاء فيه « قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : إنّ اللَّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم » ( 1 ) . وحديث أخرجه الطبراني عن محمد بن حبيب بن خراش العصري عن أبيه أنه سمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلَّا بالتّقوى » ( 2 ) . وحديث أخرجه أبو بكر البزار عن حذيفة قال : « قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : كلَّكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ، ولينتهينّ قوم يفخرون بآبائهم أو ليكوننّ أهون على اللَّه تعالى من الجعلان » ( 3 ) . وحديث رواه الطبري جاء فيه « قال

--> ( 1 ) النصوص من ابن كثير . ( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) المصدر نفسه .